recent
مقالات ساخنة

انتاج كتابي نص مكره اخاك لا بطل


نص مكره اخاك لا بطل


جاء موعد النزهة وجيء الينا بأربعة جياد، وعُـرض عليّ أن أختار واحدا منها. ولم أشأ أن أعترف أمام الآخرين أن لا عهد لي بركوب الخيل. فاخترت واحدا ظننته أسهلها مراسا وألطفها طبعا وتظاهرت كما لو كنت سيّد نفسي وسيّد الموقف في حين أن قلبي كان قد تغير ميزان دقّاته. 

وسرنا الهُــوينا في طريق من التّــراب يمتدّ بين حقول شاسعة . وكان حديثــنا عن الخيل وأجناسها وما تـتميّز به من صفات. وبغـتة وبدون أن تصدر منّي أي حركة أو إشارة، وثب حصاني وثـبـة جنونية إلى الأمام كادت تخلعني عن السرج . وراح يعدو بكل ما في قوائمه من عزم وما في صدره من نـفـس. ولولا أني كنت أسمع وقع حوافره على الأرض لقلت أنه كان يطير، فقد كانت الحقول عن الجانبين تبدو لعيني وتغيب بسرعة تخطف البصر. 

فلجأت إلى اللّجام أشدّه بكل قوّتي حينا، وأرخيه حينا، فلم ينفعني اللّجام . عندئذ ألقيته على عاتق الحصان، و استعضت عنه بخصلة من عرفه، تمسكت بها بكلتا يدي و أسلمت أمري الى الله. 

وتخلـّف رفاقي بعيدا عني، بعيدا جدا. ولم يكن أي منهم يعرف المأزق الذي أنا فيه. ومن الأكيد أنهم اعتبروا الجنون الذي مسّ حصاني ضربا من الفروسيّة أبهرهم به، فلم يسرعوا لنجدتي بل إنني في البداية كنت أسمع هتافاتهم: " يحيا الفارس!" ولكن هتافاتهم لم تلبث أن انقطعت فبتّ لا أسمع غير دقّـــات قلبي، ولا أبصر غير الكارثة تترصّدني مع كل خطوة يخطوها جوادي. إني سأتحطّـم من غير شكّ ولكن كيف أتحطم؟ أيدر كني رفاقي وليس بي رمق من حياة أم يدركونني وبي حياة قضي عليها أن تعيش في جسم مهشّـم؟ 

ثم كانت العجيبة . ففي مثل لمحة الطّـرف و بدون أي تدبير أو قصد مني وجدتني أقفز من السّرج إلى عنق الحصان ، ثم وجدتني أطوّق ذلك العنق بذراعيّ , و قد تدلّـــت رجـــلاي, و إذا بالحصان يجمد مكانه و أذا بي ألمس الأرض برجليّ و أرفع عن عنق الحصان ذراعيّ ، ثم أروح أربّت كتفه، و أنتهي بأن أقبّــله بين عينيه... 

وعندما أدركني رفاقي بعد فترة من الانتظار أقبلوا عليّ يهنّئونني ويُـبدون إعجابهم بفروسيّــتي. فلم أشأ أن أخبرهم بما كان، ورضيت أن أتقبل تهانيهم كما لو كنت في الواقع جديرا بها. وكان على أن أقول لهم: "مكره أخاك لا بطل". 

ميخائيل نعيمة (باختصار) 

الشرح: 

1. مُكره أخاك لا بطل: أكرهَهُ على الشّيء: أي أجبره على فعله. وهذا مثل يضربه من يُجبر على فعل شيء يتطلّـــب شجاعة وهو غير راغب فيه. 
2. أسهلها مِراسا: أطوعها في الركوب وأسهلها انقيادا. 
3. كنت سيّد نفسي وسيّد الموقف: في المواقف الحرجة يحتار الانسان ويخاف، أو يتجلّد ويملك نفسه ويتحكم فيها. والكاتب هنا خاف من ركوب الجواد ولكنه تظاهر بمعرفة ركوبه وملك نفسه ليخفي خوفه. 
4. عُــرف الحصان: شعر عـنـقه. 
5. أبهـرهـم بـه: أدهـشـهـم وأثـيـر إعـجابهم. 
6. لا أبصر غير الكارثة تـتـرصّـدني: الكارثة: هي المصيبة وترصده أي ترقبه. 
7. ليس بي رمق من حياة: ليس بي بقية منها. 
8. ثم كانت العجيبة: العجيبة: هي الأمر الذي يدعو إلى العجب. إنّ توقّــف الحصان فجأة ونجاة الكاتب من خطر محقّـــق لم يكن منتظرا، لذلك يعتبر عجيبة.





google-playkhamsatmostaqltradent