recent
مقالات ساخنة

حب العمل - الفلاح



نزل الكاتبُ بقرية فلاحية فلاحظ تعلُّقَ أهلِها بالأرض: يُشبعُونها حُبًّا و عملا ، فتُشبعُهُم حَبًّا و فاكهة .

1-...كلّ من في هذه القرية يشعُرُ بأنّ للأرض جذورا عميقة في قلبِه(1). فهُم جميـــــــــــــــــــــــــــــــــــــعا – و الغبطةُ تملأُ صُدُورهم – يُهرقُونَ عرقَهُم (2) في هذه الأرض الطّيبة التي لا تبخلُ عليهم بخيراتها (3) ، بل تُقدِّمُ إليهم بَدَلَ كُــــلِّ قطرة عرق تُسقَاهَا ،شَبَعًا و رِيَّا.و تُوفِّرُ لهم مُتعة القلب و السَّمْع و البصر .إنَّهَا لَفِي خُضرة دائمة : تُمْرعُ مُرُوجها (4) ، ولا تنقطعُ ثمارُهَا ، و هي لا تُخْلفُ لهُم وَعدًا وَ لَا تُخِيّبُ لهُم ظَــــــنًّا(5).

2- إنَّ كلّ ما فيها يُسْعِدُهُمْ : فالشَّيْخُ يُجَدِّدُ شبابَه برُؤية أشجَارهَا (6) و قَد غَرَسَهَا بيَدِهِ مُنْذُ عَهْد بعيد في جراح تُرابها ، و هي الآن تملأ قلبَه بهجَة و اطمئنَانًا، كما ملأت بيته، منذ أمد، ثَرَاء و رزقا. و الكهلُ لا يَرَى في سَاعدَيه خَيرا ، إنْ لمْ يُسَخِّرْ قُوَّتَهُمَا للعمل في الأرض، و لا يَرَى لحَيَاته غَايَة ، إن لَم يُرِقْ عَرَقَه غَزيرًا بَيْنَ شُقُوق تُرَابِهَا ، حَيْثُ تَنحدرُ البُذُورُ و الحُبُوبُ ، فتعودُ إليه أشجَارًا وَ سَنَابلَ مُكْـــــتَــــنِـــــزَةَ القُطُــــــوف و الرُّؤُوسِ.(7) كذلك الفتيانُ و الفتياتُ، فشبابُهُم وَقْفٌ على الأرض و على خِدْمَتِهَا، و لا يَهْنَأُ لهم عَيْشٌ إذا لَمْ تَضْحَكِ الأرضُ لَهُم(8) .و لكَمْ أَكْسَبَتْهُمْ ضحكةُ الأرضِ الخضراءِ سَعَادَةً في وجوهِهِم و غِبطَة فِي قُــــــلوُبِهِمْ!

3-و حتَّــــــى الأطفالُ فإنَّهُمْ في أَلعَابِهِمْ المَرِحَةِ لَيُقَلِّدُونَ الكِبَارَ في حُبِّهِم للأرض ، فلكلٍّ مِنهم آلاَتُهُ الصّغيرةُ ينبُش بها التُّراب، و ما يكادُ أحدُهُم يبلغ العاشرةَ ،حتّى يُساهمَ في حمل الرّفش و المعوَل، فيَشُقُّ بهما الأرضَ نشيطا مسرورا، و يسقيهما ماء، لتغدق عليه و على والديه من طيّبات رزقها.

عيسى الناعوري ( يتصرف)

الشرح:

1/ للأرض جذور عميقة في قلبه : الشجرة لها جذور تغوص و تمتدّ في أعماق الأرض فتجعلها قارّة ثابتة في مكانها .فالجذور تربط الشّجرة بالأرض .و للأرض جذور عميقة في قلبه بمعنى: أنه مرتبط بأرضه و متعلّق بها تعلّقا شديدا .

2/ أهرق عرقه: أساله.

3/ لا تبخل عليهم بخيراتها : أي إنها تجود عليهم بخيراتها أي بما تُنتجه من الطّيبات.

4/ تمرعُ مُرُوجها : أي تُخْصِبُ حُقُولها و تُنتجُ الكثير من الثِّمار.

5/ لا تخيب لهم ظنا:خاب ظنُّه:لم ينل ما كان يَرجُوهُ – الأرض لا تُخُيّبُ ظنّهُم أي إنها تُغدقُ عليهم من الخيرات ما يؤمِّلُونَهُ منهَا .

6/ الشيخ يجدّد شبابه برؤية أشجارها: الشيخ يتذكّر، حين يرى هذه الأشجار يانعة أنّه غرسها بيده منذ أمد بعيد، فهو يرى نفسه، من خلالها، شابّا و هو يعتني بتنميتها.

فكأنّه يرى شريط حياته يُنشرُ أمامهُ من جديد.و هو بعد أن استثرى بنتاجها السّنين الطويلة ينظرُ إليها الآن باطمئنان لأنّها من صُنعه و لأنَّهُ سيترُكُها لأحفاده.

7/ أشجار و سنابل مكتنزة القُطُوف و الرُّؤُوس: اكتنزت السُّنبلة : أي امتلأت حبّا ، و القُطُوفُ هي الثّمارُ حين تُجنى . و المعنى: أشجارٌ وفيرةُ الثّمار و سنابلُ كثيرةُ الحُبُوب.

8/ لا يهنأُ لهُم عيش إذا لم تضحك الأرض لهم : الأرض تضحكُ إذا اكتست حُلّة من الأعشاب و الأنوار و اخضرّ وجهُها . و هي إذا عَبَسَتْ تَبْدُو هَامِدَة، عَاريَة، جَامِدَة، عَلَيْهَا شُقُوق كتجاعيد الوجه. فالفتيانُ مثلُ الكُهُول يسقُون الأرض بعرق جبينهم ليروا وجهها مُبتسما ضحُوكا.





google-playkhamsatmostaqltradent